منير سلطان

76

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

وكل داع يدعو إلى مثله وهو مع ذلك ممكن له ، فلا يجوز ألّا تقع شربة منه حتى يموت عطشا لتوفر الدواعي على ما بينا ، فإن لم يشربه مع توفر الدواعي له دل على عجزه عنه ، فكذلك توفر الدواعي إلى المعارضة على القرآن لما لم تقع المعارضة دل ذلك على العجز عنها . التحدي للكافة : يقول : وأما التحدي للكافة فهو أظهر ، في أنهم لا يجوز أن يتركوا المعارضة مع توفر الدواعي إلا للعجز عنها . وأما الصّرفة : فهي صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم ، في أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة ، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التي دلت على النبوة ويقول : وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التي يظهر فيها للعقول . وأما الأخبار عن الأمور المستقبلة : فإنه لما كان لا يجوز أن تقع على الاتفاق دل على أنها من عند علّام الغيوب ، فمن ذلك قوله عز وجل « وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ » [ الأنفال - 8 ] فكان الأمر كما وعد من الظّفر بإحدى الطائفتين ، العير التي كان فيها أبو سفيان أو الجيش الذين خرجوا يحمونها من قريش ، فأظفرهم اللّه عز وجل بقريش يوم بدر على ما تقدم به الوعد إلى غيرها من الأمثلة المعروفة . وأما نقض العادة : فإن العادة كانت جارية بضروب من أنواع الكلام معروفة ، منها الشعر ومنها السجع ، ومنها الخطب ، ومنها الرسائل ، ومنها المنثور ، الذي يدور بين الناس في الحديث - فيأتي القرآن بطريقة مفردة خارجة عن العادة لها منزلة في الحسن تفوق به كل طريقة . وأما قياسه بكل معجزة : فإنه يظهر إعجازه من هذه الجهة ، إذ كان سبيل فلق البحر وقلب العصا حية وما جرى هذا المجرى في ذلك سبيلا واحدا في الإعجاز ، إذ خرج عن العادة ، وقعد الخلق فيه عن المعارضة .